سيف الدين الآمدي

61

غاية المرام في علم الكلام

كان قديما فنسبة الأحوال والأوقات والأضداد وكل ما يقدر بالإضافة إليه على وتيرة واحدة ، فما خصصه بزمان الحدوث ، إن افتقر إلى مخصص آخر ، فالكلام في ذلك المخصص الثاني كالكلام في الأول ، وذلك يفضي إلى التسلسل وهو ممتنع . وإن لم يفتقر إلى مخصص آخر فما هو جواب لكم في الإلزام هاهنا أي في الإرادة هو جواب لنا في الذات . قلنا : قد بينا أنه لا بدّ من إرادة قديمة كان بها التخصيص ، وليس ما ذكرناه في إبطال التخصيص بالذات مما ينقلب في الإرادة ، فإنه إذا قال القائل : لم خصصت الإرادة هذا الحادث بزمان حدوثه ، وليس هو بأولى مما قبله أو بعده ؟ كان السؤال في نفسه خطأ ، من جهة أن الإرادة عبارة عما يتأتى به التخصيص للحادث بزمان حدوثه . لا ما يلازمه التخصيص ، فإذا قيل : لم كانت الإرادة مخصصة ؟ فكأنه قال لم كانت الإرادة إرادة ؟ وهو في نفسه محال ، وهذا كما لو قال : لم كان الواجب بذاته لا يفتقر إلى علة ، والممكن بذاته يفتقر إلى علة في كل واحد من طرفيه . فإنه لا يقبل ، من حيث إن سؤاله يتضمن القول بأنه لم كان الواجب واجبا ولم كان الممكن ممكنا ، فإن الواجب هو عبارة عما لا يفتقر إلى غيره في وجوده ، والممكن بعكسه ، وهو مما لا يخفى وجه فساده . وهو لا محالة إن ورد من الفلسفي أظهر في الفساد ، من جهة اعترافه بإسناد جميع الحادثات والأمور المتجددات كالحركات وغيرها إلى الإرادات النفسية الثابتة للأجرام الفلكية ولا مندوحة عنه . فإن قيل : لو سلم قيام المخصص بذات الرب تعالى وكونه قديما لكنه مما يمتنع تفسيره بالإرادة لوجهين : الوجه الأول : هو أنه لو كان مخصصا بالإرادة لما خصصه ، فلا بد من أن يكون قاصدا لما خصصه وطالبا له . . . بل يتعالى ويتقدس عن الأغراض ، وإنما هي عائدة إلى المفعول المرجح ، وذلك مما لا يوجب تحققه للغير ولا